الأحد، 3 مايو 2015

إسماعيل طه.. هذه قصة التحاقي بـ(BBC)

حوار : شذى عبد الرازق


إسماعيل طه.. إعلامي وإذاعي تجاوزت نبرات صوته الفخيم فضاءات السودان إلى فضاءات أخرى أوسع انتشاراً ورحابة.. شد الرحال إلى إذاعة دبي بعد أعوام من عمله في الإذاعة السودانية ومنها غادر إلى ضفاف التايمز مذيعاً في هيئة الإذاعة البريطانية، قلبنا  معه ذكرياته من مورا إلى لندن فماذا قال في هذه المؤانسة؟
* مورا حنين وذكريات؟
تذكرني مورا بثلاث صور، الأولى بعد أعوام من فيضان نهر النيل الكبير وكان عمري ثلاث سنوات، وضعوني في (عنقريب) مقلوب في مياه النيل والعنقريب مليء بـ(كرور التكل)، والصورة الثانية كونت لي جيشاً من الأطفال وطلعنا إلى الخلاء وفجأة وجدت شيئاً يلمع في الرمل ورفعته وإذا بي أجد (تعريفة) ومن شدة الفرح سرحت الجيش وأخذت أنظفها من آثار الصدأ، الصورة الثالثة كيف كانت ترسلني أمي فاطمة -رحمها الله- إلى منزل عمي لأحضر الجمر لكي تقوم بطبخ الطعام، وكيف أنني كنت أخاف من البقرة المربوطة في منزل عمي وأقوم بنداء زوجة عمي قائلاً: "سلام سلام"، وكيف كانت تنادي عليّ بأعلي صوتها: "ادخل"، وأقوم بالانسحاب مسرعاً إلى داخل الدار.. هذه الصور تظل محفورة في مخيلتي ولا أنساها مهما تقدم العمر.
* كيف قادتك الأقدار إلى ضفاف التايمز وإذاعة لندن؟
تبدأ القصة من إذاعة دبي حيث كنت أقوم بعمل نشرة أخبار الصباح حيث دخل عليّ مدير الإذاعة رياض الشعيبي وقال لي: "بعد النشرة تعال واشرب معي فنجان قهوة"، وذهبت إليه وأنا على عجلة من أمري لأنني كنت أنوي الذهاب إلى أبوظبي وقضاء بعض الوقت مع أصدقائي في عطلة نهاية الأسبوع، وقال لي: "كيفك يا أبو السباع؟"، أجبت بامتعاض: "غايتو"، فقال لي: "إيه رأيك نوديك لندن كورس لمدة ثلاثة أشهر للتدريب؟"، ورفع سماعة التلفون وتحدث مع أحد الخواجات الذي حدد لي موعداً في القنصلية البريطانية في أبوظبي وبعدها قمت بأداء امتحان تحريري في مقر القنصلية وامتحان للصوت في مقر إذاعة دبي، وجاء الرد بعدها بقبولي، وأرسلوا إليّ العقد والتأشيرة وبسرعة سافرت إلى لندن وبعد وصولي بيومين قمت بتقديم برنامج عالم الظهيرة (ترجمة تقارير) وقراءة تقارير وعلى عادة (بي بي سي) لم أخضع لفترة تدريبية لوجود نقص في الكادر الإعلامي.
 * أبرز الشخصيات السودانية التي التقيت بها هناك؟
لم أجد الطيب صالح الذي كان قد ذهب إلى قطر، ووجدت محمد خير البدوي مقدم برنامج وهو والد زينب البدوي الإعلامية المعروفة فهو رجل موسوعة ومتمكن في اللغتين العربية والإنجليزية بالإضافة إلى معرفته بتاريخ السودان.
* أبرز ما يميز العمل في بي بي سي؟
حاجات كثيرة، لديك رئيس واحد ولو أخطأت تحاسب ولو أحسنت تكافأ وتجازى وإذا أديت عملك على الوجه المطلوب تجد كل الاحترام والتقدير بالإضافة إلى أن أدوات العمل متوافرة ومتاحة والعمل في بي بي سي سهل ومنظم.
* ما هي أكبر الأحداث التي صادفت وجودك في بي بي سي؟
زيارة السلطان قابوس إلى بريطانيا واستقباله في محطة فيكتوريا وذهبت إلى القصر الملكي وقمت بتغطية الزيارة من القصر على الهواء مباشرة وكان هذا الحدث في الأسابيع الأولى من مجيئي إلى لندن.
* تداعيات حوارك مع القذافي وضياع فرصة المليارات؟
قمت بزيارة ليبيا بدعوة من الملحق الثقافي الليبي في بريطانيا وتمت استضافتي في أكبر فندق في ليبيا لمدة ثلاثة أيام وبعدها أخبروني بمقابلة العقيد وعملنا المقابلة وأشاد بالحوار وقال لي: "إيه رأيك تجيء تعمل معنا في إذاعة مالطا؟"، فشكرته وخرجت، وفي لندن أرسل إليّ بعض الإخوان ولكنني لم أستجب ولم أندم على قراري هذا إطلاقاً.
* كلمات في حقهم: ماجد سرحان، الطيب صالح، علي أبو سن؟
ماجد سرحان رحمه الله صديق عمري وزوجته الأسكتلندية صديقة زوجتي، وهو فلسطيني من حلحول، مذيع متمكن له معرفة بالإنجليزية والعربية كأنه من صناعها. الطيب صالح لم أجده في بي بي سي لكنني أعرفه من خلال كتاباته ورواياته وأعتقد أن الرواية الرهيبة كانت هي (عرس الزين) وقصتين قصيرتين إحداهما (نخلة على الجدول) والثانية نسيتها. وعلى أبوسن رحمه الله كان في بي بي سي مع أحمد قباني ولكني لم أجده.
* ماذا تعيب على المذيعين السودانيين؟
لا أعيب عليهم إطلاقاً لأنهم يقدمون عصارة جهدهم لكن هناك بعض مذيعات التلفزيون يستعجلن وثقافتهن (نص نص) والثقافة الحقيقية تبدأ من معرفة الإنسان لبلده وأناس بلده معرفة علمية، هيام الطاهر متميزة وهنادي سليمان، رجاء الجزولي أدبها الشخصي وتهذيبها يجعلها متحفظة في الأداء.
* إذا طلب منك عمل خريطة للنهوض بالإذاعة والصحافة والتلفزيون في السودان؟
الرأسمالية التي تعمل في مجال الصحافة ليست لها دراية بالعمل الإعلامي فلابد من أن يكون هناك خط أحمر ما بين السياسة التحريرية وملاك الصحافة حتى تخرج الصحافة من قوالب الممولين إلى رحاب الخبراء الإعلاميين الذين يفهمون ويقيمون الواقع الصحفي حتى تنهض الصحافة بدورها المنوط بها في رفع الوعي وتنوير الجماهير، كذلك التلفزيون والإذاعة يجب الاستعانة بالكوادر الإعلامية والخبرات من أجل تقديم خدمة تلفزيونية وإذاعية تواكب روح العصر ولا ننسى جانب التدريب والتأهيل للكوادر الإعلامية لمواكبة التطور التقني في مجالات الإعلام المختلفة. وكذلك أطالب بأن تكون هناك لجنة مكونة من خبراء وإعلاميين وهي التي تصنع السياسة الإعلامية بالتنسيق مع الهيئات مثلاً مجلس الصحافة والمطبوعات وهذا طبعاً مع توافر الإمكانات المادية لأن الإعلام اليوم أصبح صناعة.
* كيف يصبح المذيع نجماً؟
حتى لو كان صوته جيداً وتخرج في الجامعة لا يكفي ذلك وأعتقد أن إمكانات كليات الإعلام قليلة، المذيع لا شك يحتاج إلى جمال الصوت بالإضافة إلى الاطلاع في شتى ضروب المعرفة والثقافة العالية وإذا حفظ كل الكتب ولم تكن لديه معرفة بالسودان قديماً وحديثاً ومستقبلاً ويتابع مسار الحياة السودانية تكون ذخيرته في صوته وبرامجه ويستعرض على الناس لكنه لا يدخل قلوبهم.
 *أحلام لم تتحقق؟
طالما أن الإنسان حي فله آمال وطموح، وما يؤرقني الآن أشياء كثيرة ففي الصحف السودانية كنت أقرأ في اليوم إحدى عشرة صحيفة والآن أقرأ ثماني صحف بقيمة ستة عشر جنيهاً، وأكثر القضايا الآن في الصحف ليس لها تأثير على القراء خاصة الشباب، عموماً الكتابة الصحفية الآن ينقصها شيء لا أعرفه.
* أطرف ذكرياتك في الإذاعة السودانية؟
كنت أذيع نشرة التاسعة الرئيسية عندما جاءني الأستاذ محمد خوجلي صالحين مدير الإذاعة وقال لي إن وزير الإعلام قال بنفسه إن إسماعيل طه يقرأ يومياً نشرة التاسعة الرئيسية وطبعاً كما تعلمين هذه المسألة مرهقة وصعبة يومياً لكن هذه تعليمات السيد الوزير والمفاجأة جاءت بعد ثلاثة أيام حين جاءني صالحين ليقول لي إن الوزير أصدر قراراً بوقفك من قراءة النشرة ومن هنا جاء الفرج.
* توقيع أخير؟
الإنسان السوداني يحتاج إلى المعرفة والتعمق في الحياة ككل لأن ذلك يجعله قادراً على إنتاج صور وأخيلة قلمية وكلامية تضفي حيوية أكثر على مسرح الحياة السودانية بكل أنواع الصور فكرية وسياسية وثقافية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق