الثلاثاء، 14 أبريل 2015

أدب المنفى.. وهم الانتماء المزدوج

الدكتور مصطفى الصاوي: كتابات الطيب صالح محاولة لاستعادة الوطن

ليلى أبو العلا

ليلى أبو العلا: الإنجليزية هي اللغة الوحيدة التي أستطيع التواصل بها

طارق الطيب: أنا في منأى لا في منفى

الخرطوم : رانيا بخاري

الاستعمار من خلال اللغة أسوأ من الاستعمار السياسي لما له من بعد أعمق في وعي الإنسان وتكوينه الإدراكي والمعرفي فالحديث بلغة معينة أو لغة ما، هو مؤشر لقبول الحضارة والثقافة التي تعتبر تلك اللغة أداة تواصلها.
يحدد فردينادو سوسير مؤسس علم اللسانيات حدود الفرق بين اللسان والكلام بأن اللسان هو النظام اللغوي الذي تحكمه مجموعة قوانين وأعراف ويتشكل ضمنه الكلام، أما أدونيس فيرى أن هوية الشاعر العربي لا تحدد بالشكل الكلامي الذي نطق به أسلافه وإنما بخصوصية اللسان العربي.
الأدب المكتوب بغير العربية أو ما يسمى بأدب المهاجرين، نسبة إلى الذين ولدوا في تلك الأقطار هو أدب يرتبط أغلبه بالوطن، ولكنه بلغة غير لغة الأم أي العربية، يستخدمه الكاتب في التعبير عن مشاكله وهمومه في المجتمع الذي يحيا فيه مما أدى إلى ازدواج هوية الكاتب، وهكذا نشأت الكتابة الفرانكفونية والأنجلوفونية كعلامة من علامات التميز الثقافي، ولكن يبقى السؤال عن ماهية هذا الحضور الثقافي الإبداعي الجديد وإلى أي هوية ينسب، إلى جنسية الكاتب أم إلى اللغة التي انتقل إليها الكاتب، أم أنه مرهون بموقع الكاتب في العواصم التي تمنحه مساحة من الحرية لممارسة نوع من الحرية الإبداعية أم أنه يستمد قيمته من كونه يسعى بالكتابة بتلك اللغة ليجد موطئ قدم له؟ إلا أن الكاتب في محصلة الحديث هو نتاج واقعه الذي تشكل وعيه فيه.

ساعة العلامات.. نص تجاوز حدود ذاته إلى صوت شعبه
القضايا المتعلقة بمفهوم الهوية هي نتاج للمرحلة التاريخية الراهنة، ويهتم معظم كتاب المنفى بكيفية تداخل مسار التاريخ على المستويين الإقليمي والدولي ويتجلى ذلك في روايات جمال محجوب، وهو سوداني من أم إنجليزية (مسترات لادرار الغيث) و(أجنحة الغبار) و(ساعة العلامات) التي تتنوع فيها بنية السرد على إيقاع الذاكرة للتنقل بين الشمال والجنوب (فلاش باك) أما (ساعة العلامات) فيتناول فيها تاريخ السودان منذ القرن التاسع عشر ليكشف عن الأسباب التي أدت إلى فشل القومية في السودان كنتاج طبيعي من مخلفات الاستعمار بالإضافة إلى إخفاق معظم قادة التحرر الوطني في بناء مجتمعات وطنية في الفترة التي تلت الاستقلال. فالبنية التي قامت عليها الدولة السودانية كانت تحمل أصابع التكوين الاستعماري.

اللغة وتجارب الكاتب
إن الاتهام الذي يشير إلى انفصال هموم الكاتب بغير العربية عن هموم أمته هذا الاتهام تدحضه الكاتبة  ليلى أبو العلا التي بدأت الكتابة في العام 1992 في أسكتلندا وكان دافعها الشعور بالحنين إلى الخرطوم والثقافة العربية والإسلام ومن أجل التعريف بالسودان تقول ليلى: "قرأت العديد من الروايات إلا أنني لم أتخيل أنني سأكتب يوماً رواياتي ولم تكن لدي فكرة بأنني موهوبة. لقد اقتحمت مجال الكتابة بالصدفة فكتبت مجموعة قصصية هي أصداء ملونة، منارة، مسرحية أسد الشيشان، والحياة الخفية التي تم تقديمها درامياً على حلقات متسلسلة على القناة الرابعة بي بي سي، وتدور معظم أعمالي حول الاغتراب، والهجرة ومشاكل المرأة المسلمة المهاجرة إلى الغرب". وتكتب ليلى بالإنجليزية ليس انسلاخاً من واقعها الاجتماعي، ولكنها تلقت كل مراحل تعليمها بالإنجليزية، وتقول إن الكتابة عبارة عن امتداد للقراءة وتعتبر الإنجليزية لغة عالمية وليست مجرد لغة للغرب وهي اللغة الوحيدة التي أستطيع التواصل بها.

تحرر من العزلة والانغلاق: أنا في منأى لا في منفى
طارق الطيب
يقول الكاتب طارق الطيب، سوداني الأصل ونمساوي الجنسية، الذي يقيم في فيينا منذ ثمان وعشرين سنة، وصدر له أول كتاب بالألمانية، يقول طارق صاحب رواية (مدن بلا نخيل) إنه خرج من السودان طلباً للعلم ورغبة في استكمال دراسته العليا، وبدأ بالفعل في تحضير الماجستير لعدة شهور في جامعة عين شمس التي تخرج فيها، لكنه رفض واضطر للتوقف بحجة أنه من أصل سوداني، وخضت تجربة العمل في القاهرة ولكنني لم أحصل على عمل يليق بعلمي وفكري. ويرى طارق أنه الآن في الغرب وهو مكانه فهو في منأى لا في منفى.
الدولة السودانية عليها أن لا تستند في تأسيس الدولة على مبدأي العروبة والإسلام فقط، فعليها أيضاً أن تراعي تعدد القومية السودانية حتى لا يؤدي ذلك إلى تهميش الأقليات العرقية والدينية واللغوية، مثل إدريس علي النوبي الذي ينسبه المشتغلون بالأدب إلى الجانب المصري، فقصص إدريس تدور حول هجرة الراوي من قرية كيش النوبية في هجرة قسرية يرغمون فيها على النزوح بعيداً عن مجري فيضان النيل، في الرواية تساور أحاسيس ومشاعر حول الوطن والهوية والتاريخ، ومن مؤلفاته دنقلا وانفجار جمجمة النوبي.
فالكاتب أياً كان موقعه الجغرافي لا يمكنه أن يكون بمنأى عن واقعه الاجتماعي لذلك نجد أن الأدب المكتوب بلغات غير العربية بالرغم من أنه مزدوج الهوية إلا أنه ينطلق في بنائه السردي من رؤية دائماً أو غالباً ما تكون مرتبطة بالوطن الأم من خلال تراكم ثقافي عربي يعمل من خلال البعد الجغرافي واللغوي لإرساء مفهوم رؤية العلاقة بين الذات والآخر وهذا يؤكد العلاقة بين ذهنية الكاتب والثقافة المحيطة به، وبتلك الذهنية يمكن أن نقول إن الأدب المكتوب بالإنجليزية جغرافياً متعدٍّ للحدود.
حول سؤالنا عن ماهية قيمة الأدب المكتوب بغير العربية أجابنا الدكتور مصطفى الصاوي الناقد والمحاضر بكلية الأحفاد للبنات قائلاً: إن المكتوب بغير العربية أو الأدب المهاجر هو تعبير عن أشكال مختلفة للاقتلاع من الوطن، ثمة منفى اختياري وهناك منفى يتم بالإبعاد والمضايقة، وهجرة كما يحدث الآن، فالسبل قد ضاقت بالناس في السودان في كافة النواحي وهذا معروف في كثير من دول العالم مثلما حدث في سوريا ولبنان في القرن الماضي، وفي ظني أن أدب المنافي هو يمثل تدريجياً الابتعاد عن الوطن طوعاً أو كرهاً وتترتب عليه أنماط مختلفة من الأدب له خصائصه وله شروط كتابته.
د. مصطفى الصاوي
ويرى الناقد مصطفى أن الذي يعطي الكاتب هويته جملة أشياء، الانتماء إلى وطن معين والانتماء إلى ثقافة بمعناها الواسع وإلى اللغة التي يكتب بها، إذا لم يكتب باللغة التي ينتمي إليها فهذه هجرة لسان، الكاتبة ليلى أبو العلا كتبت روايات المئذنة، المترجمة، وزقاق الأغاني، هي تكتب بالإنجليزية ولكن وجدانها سوداني وخصوصاً رواية زقاق الأغاني عن عوض حسن أبو العلا، وكذلك جمال محجوب يكتب بالإنجليزية، أنا شخصياً لا أؤمن بالجنسية المزدوجة في حالة الأدب أتذكر إدوارد سعيد في (خارج المكان) فإن ازدواج الجنسية لم يغيب الوطن عنده وعند غيره لكن هذه الحالات تصدق على مفهوم الجنسية المزدوجة لأن ثمة اقتلاع نهائي وهنا يمكن أن نشير إلى طارق الطيب الذي يمثل الاقتلاع من الوطن بأكثر من شكل السودان مصر النمسا وبعضهم يتحدث عن وطني حقيبتي وأنا إنسان كوني ومن حق أي شخص أن يتحدث كما يريد لكن ليس هناك أي ازدواجية في الأوطان تجارب كثيرة في المنفى أعتقد أن كتابات الطيب صالح الذي قضى وقتاً طويلاً في إنجلترا هي محاولة لاستعادة الوطن وأيضاً محسن خالد وهم كثر بحيث يمكن القول إن السودان عرف ظاهرة أدب المنفى وهو يثير عدة أسئلة أننا في السودان شهدنا فترة طويلة من عدم الاستقرار والقمع والإقصاء كل هذا انعكس سلباً على المحيط الاجتماعي فحدثت هذه الهجرات وأسوأ ما فيها الهجرات التي تنتهي بالجواز الآخر باعتبار أنه حماية للفرد، الوطن يأكل أولاده ويهمنا هنا أن نشير إلى أن هذا الأدب صار واقعاً وتتصل به كتابات المدونات في الشبكة العنكبوتية وكل أشكال التواصل الجديدة التي بدأت تنتشر في المجال السياسي ولكن في التعبير الفني والثقافة الشعبية والسيرة والمذكرات ونحن بإزاء اقتلاع مر ومرير نتجت عنه تجارب إبداعية.
وتبقى الأسئلة مطروحة والاتهامات قائمة حول قيمة هذا الأدب وفي الجانب الآخر يسعى البقية للانفلات من أشواق الهامش إلى سدة المركز.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق